العقار في المغرب: هل ما زال ملاذا آمنا للاستثمار والادخار؟

العقار في المغرب
الصورة من Shutterstock

لطالما كانت الاصول العقارية في المغرب ملاذا آمنا للادخار والاستثمار سواءا بالنسبة للأفراد أو المقاولات العقارية، غير ان هذا القطاع الحيوي في النسيج الاقتصادي المغربي عرف في السنوات الاخيرة تذبذبا في الأداء، وتباينا في انشطته جعلت فاعليه يتحدثون في اكثر من مناسبة عن ركود في المبيعات يكاد يلامس الازمة. إن محاولة تشخيص صحة هذا القطاع، لا تستقيم دون الرجوع الى مشاكله البنيوية التي تتفرع الى عدة معيقات تتقاطع ما بين العوامل القانونية والمالية.

وزن العقار في النسيج الاقتصادي المغربي

بلغة الارقام يساهم القطاع العقاري في المغرب بما بين 6 و 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ويشغل حوالي مليون شخص. ويوفر نحو 50 في المائة من الرأس المال الثابت، دون اغفال مساهمته الوازنة في الضرائب المحصلة لفائدة خزينة الدولة، وتنشيطه للمعاملات المصرفية بفضل هيمنة القروض العقارية على اصناف القروض التي تسوقها البنوك المغربية لزبنائها، سواءا من طالبي السكن او المنعشين العقاريين، او المستثمرين في القطاع بصفة عامة.

وارتباطا بالتعاملات المالية للقطاع يظل انخراطه في البورصة المغربية محدودا، بحيث يزن اقل من 4 في المائة من الرسملة الاجمالية لبورصة الدار البيضاء، الا ان هذه النسبة لا تعكس حجمه الفعلي بحكم ان اغلب المنعشين العقاريين لم يفتحوا رأسمالهم للبورصة، بضع شركات فقط مدرجة في طليعتها مجموعة الضحى التي تحتكر نحو 70 في المائة من تعاملات القطاع في البورصة، بفضل استثماراتها الكبيرة على الصعيد الوطني والقاري. كما يرتبط القطاع بمجالات اقتصادية اخرى مهمة في مقدمتها: البناء ومواد البناء (الاسمنت، الحديد،…) وغيرها من السلع والخدمات ذات الصلة ببناء المساكن وبيعها وكرائها.

المؤشرات الراهنة لدينامية سوق العقار

عديدة هي المؤشرات الاقتصادية المعتمدة في تشخيص صحة سوق العقار في المغرب، ابرزها تلك الصادرة عن البنك المركزي، إذ تعود احدثها الى الربع الاخير من السنة الماضية، وتفيد بتسجيل مؤشر اسعار الاصول العقارية زيادة طفيفة قدرها 0.5 في المائة، ناجمة عن ارتفاع بنسبة 0.7 في المائة في اسعار العقارات السكنية و1.2 في المائة في تلك المتعلقة بالعقارات التجارية، بينما انخفضت اسعار الاراضي بشكل طفيف بنسبة 0.4 في المائة. انطلاقا من هذه البيانات الظرفية وبالرجوع الى بيانات أخرى سابقة يمكن القول إن السوق العقارية المغربية تعرف حاليا نوعا من الاستقرار في الأسعار، سبقته موجة من الجمود على مستوى تصريف بعض المشاريع العقارية، خاصة في صنف السكن الاجتماعي الذي هو عبارة عن شقق سكنية بمساحات صغيرة، معظمها من انجاز شركات خاصة تستفيد من اعفاءات ضريبية مهمة في اطار برامج حكومية تروم تشجيع ذوي الدخل المحدود على اقتناء سكن. هذا الصنف من السكن عرف تراجعا كبيرا في الطلب بحكم وفرة العرض، وتردد بعض المنعشين العقاريين في إنشاء مركبات سكنية جديدة خوفا من المستقبل المجهول، وركود استثمارهم العقاري بفعل النقص في الإقبال على اقتناء العقارات خلافا للمراحل السابقة، حيث كان يتم بيع المشروع السكني قبل الشروع في إنجازه ومن خلال التصاميم فقط. ما جعل شركات القطاع في مقدمتها الشركات الاربع المدرجة في البورصة تعيش العام الماضي على وقع ازمة سيولة عكسها تدني نتائجها المالية وتدهور اداء اسهمها. ولعل معاناة مجموعة “أليانس” العقارية خير دليل على ذلك حيث تراوحت خسائر المجموعة التي تنفذ مشاريع في المغرب وإفريقيا العام الماضي بما بين 1 مليار و 1.5 مليار درهم، مقابل ارباح سنوية كانت تقدر بمئات الملايين من الدراهم.

عوامل اضطراب السوق العقارية المغربية

ضمن ابرز العوامل البنيوية التي تحد من تطور هذا القطاع في المغرب نجد إشكالية شح وغلاء الوعاء العقاري القابل لتنفيذ مشاريع سكنية او سياحية او صناعية خاصة في المدن ومحيطها، أضف الى ذلك تعدد البنية القانونية المنظمة للرصيد العقاري بين الملكية الخاصة، وأراضي الدولة، وتلك الخاضعة لأملاك الجماعات الترابية اوما يعرف في المغرب بأراضي “الجموع” الخاضعة لتدبير وتصرف القبائل وفق اعراف وتقاليد يصعب معها استغلالها، وتحفيظها عقاريا (تقدر مساحتها بـــ 15 مليون هكتار وفق الاحصائيات الرسمية بساكنة تقدر بنحو 8 ملايين نسمة).

عامل آخر يتحكم بقوة في رواج سوق العقار في المغرب وهو التمويل، سواءا في شقه الموجه للمنعشين العقاريين او المقتنين المستقبليين للوحدات السكنية. بالنسبة للطرفين تظل البنوك المورد الاساسي لتملك العقارات وبناء الوحدات السكنية، لكن هذا المصدر ضعفت في السنوات الاخيرة تمويلاته، تحديدا منذ أواخر العام 2008 تاريخ تفجر ازمة البنوك الدولية، ففي اعقاب تلك الحقبة الصعبة سارعت معظم البنوك المغربية الى اتخاذ جملة من الاحتياطات الاحترازية في منح القروض العقارية حرصا على ضمان توازن السوق والامتثال الى معايير المخاطر في مسعى الى الحد من مشاكل عدم السداد كما وقع في الجارة اسبانيا مثلا.

اليوم وبعد مرور سنوات عرفت فيها السوق العقارية المغربية مدا وجزرا، اختلفت حدته حسب صنف العقار (سكن اجتماعي، متوسط، فاخر، سياحي…) معظم التوقعات تبدو متفائلة بشأن مستقبل القطاع  رغم الحديث المتواتر عن بواد ازمة مبيعات، بحيث ان البحث الوطني حول الطلب المتعلق بالسكن المنجز مؤخرا من قبل وزارة السكنى وسياسة المدينة يفيد بان حجم الطلب على السكن على المستوى الوطني فاق مليون و572 ألف وحدة، والملفت للنظر من خلال نتائج البح  أن هذه الطلبات لا تتعلق بسد الحاجيات من السكن وإنما بالاستعداد لاقتناء سكن جديد كما عبرت عن ذلك عينة ضمت أزيد من 55 ألف أسرة شكلت موضوع هذه الدراسة.

بناءا على هذه المعطيات تظل الاصول العقارية في المغرب ملاذا آمنا للادخار والاسثمار رغم المخاطر المحيطة بالقطاع بسبب مشاكله القانونية والتمويلية، على أمل ان ينكب مهنيوه وفاعلوه بشراكة مع الدولة على البحث الجدي مستقبلا عن الحلول الناجعة لتجاوز هذه المشاكل.

زهير الخطابي