مركز التعليم

لماذا قامت البنوك المركزية في الدول الغنية بتحديد معدل التضخم بـ2% كهدف لها؟

ما القاسم المشترك بين الإحتياطي الفدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان؟ معدل التضخم بنحو 2% أو بحدود 2% كهدف. لكن لماذا قامت البنوك المركزية في الدول الغنية بتحديد معدل التضخم بـ2% كهدف لها؟

لمحة تاريخية سريعة عن السياسة النقدية

تُعتبر البنوك المركزية مسؤولةً عن السياسة النقدية. وقد شكّلت السياسة النقدية لفترة طويلة أداةً لتثبيت معدلات الصرف بهدف تسهيل التجارة الدولية. ويعتبر أكثرية خبراء الإقتصاد بأن الكساد الحاصل في الثلاثينيات يعود بشكل أساسي إلى قيام البنوك المركزية بسحب المعروض النقدي من الدورة الإقتصادية من أجل الحفاظ على أسعار صرف العملة الوطنية. ومن خلال ذلك، تسبّبت البنوك المركزية بانهيار إقتصادياتها.

بعد فترة الكساد، أعطت الحكومات أولويةً لسياسة تفعيل الإستخدام المحلي، وسلّمت بأن تسهيل التسليف وما يتبعه من تضخم أمر لا مفر منه لاستحداث الوظائف. لكن في خلال السبعينيات، شهدت الإقتصاديات الغربية أسوأ الشرين حيث إقترن التضخم المرتفع بالركود الإقتصادي والبطالة. وأكّد بعض خبراء الإقتصاد أن الموازنة بين التضخم والإستخدام أنتجت ثمارها فقط على المدى القصير ولكن مع قيام الأفراد بتكييف توقعاتهم مع التضخم المستقبلي، أصبحت السياسة النقدية ضعيفة واهنة.

أوصى خبراء الإقتصاد البنوك المركزية بتحديد متغيّرة إقتصادية شفافة كهدف معلن وملزم من أجل ضمان الإستقرار الإقتصادي. و دعا ميلتون فريدمان، عالم الإقتصاد وحائز جائزة نوبل في الإقتصاد، إلى إعتماد النمو في المعروض النقدي كهدف للبنوك المركزية. وقد جرّبت البنوك المركزية ذلك لفترة، لكنها إكتشفت أن العلاقة بين نمو المعروض النقدي والنمو الإقتصادي غير مستقرة بتاتاً. ومن ثم قرّرت الكثير من البنوك المركزية التركيز على التضخم كهدف لها.

 

لكن لماذا 2%؟

يُعتبر معدل التضخم المرتفع أخطر من التضخم المنخفض بالمعنى الإقتصادي. فالتضخم المرتفع يؤدي إلى حدوث إختلالات في الإقتصاد وارتفاع أسعار الفائدة التي تُعيق الإستثمار وتحقيق النمو الإقتصادي وخسارة التنافسية وهبوط أسعار الصرف.

في المقابل، ينطوي التضخم المنخفض على المخاطر، ولا سيما في فترات الإنكماش، حيث تتراجع هوامش أرباح الشركات جراء ركود أو تراجع أسعار منتجاتها فيما تبقى رواتب العمال ثابتة أو تزداد، مما يقود الشركات إلى صرف العمال، وبالتالي إلى تفاقم الإنهيار الإقتصادي. كما يقترن معدل التضخم المنخفض عادةً بتدني أسعار الفائدة. لكن من أجل التصدي للركود، تحتاج البنوك المركزية إلى خفض أسعار الفائدة. فإذا بدأت من أسعار فائدة متدنية جداً،  ستلجأ إلى خفضها إلى الصفر لكنها ستجد صعوبة في خفضها إلى ما دون الصفر، خشية حدوث إختلالات في الأسواق المالية، وهذا ما يُعرف بـ ” مشكلة تخفيض الفائدة إلى ما دون الصفر”.

في مطلع التسعينيات، عندما كانت الكثير من البنوك المركزية بصدد إختيار معدل التضخم الأنسب كهدف لها، إفترضت أن 2% هو المعدل الأنسب لإفساح المجال أمامها لتخفيض أسعار الفائدة إن لزم الأمر من دون الحاجة إلى تخفيضها إلى ما دون الصفر. وتبيّن لاحقاً عدم صوابية هذه الفرضية. واليوم، تعاني معظم الدول الغنية من أسعار فائدة تناهز الصفر أو تتدنى عن الصفر ومن معدلات تضخم لا ترقى إلى الأهداف المحددة من السلطات الرسمية ومن تردي معدلات النمو الإقتصادي. وقد دفع ذلك البنوك المركزية إلى استخدام أدوات جديدة، مثل التيسير الكمي على أمل تحفيز النمو الإقتصادي ورفع التضخم مجدداً إلى مستويات أعلى.

هل ستقرّر البنوك المركزية بأن معدل التضخم الذي يتجاوز الـ2% هو أكثر حصافةً في المستقبل؟ لقد أثبتت التجربة في السنوات الأخيرة جدوى هذه المقاربة، لكن لسوء الحظ لا يزال الإعتقاد سائد في صفوف بعض خبراء الإقتصاد والسياسيين بأن التضخم سيء أياً كان مستواه.

المزيد

قد يهمّك أيضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق