مساهمين

المال… من المقايضة إلى الغيمة

تعتبر العملة الورقية أحد أبرز محركي الاقتصاد العالمي. ويعتبر هذا الأسلوب في تبادل الخدمات والسلع من أعظم اختراعات البشر لما له من تأثير إيجابي على عملية الدورة الإقتصادية. فعدا عن كونها سهلة الإستعمال، فهي ترسيخ مفهوم “لكل شيء قيمته”، وهذا ما لم يتوفر في العصور الغابرة عندما كانت المقايضة السبيل الوحيد لاستحصال الأتعاب . ولكن، كيف تمكن البشر من إسناد قيمة معنوية للعملات الورقية؟

لا شك أن مفهوم “التبادل” يترسخ في كل جانب من جوانب الطبيعة؛ من أصغر مخلوقات في أعماق البحار إلى رجال المال في أسواق “وول ستريت”. فإذا نظرنا مثلاً إلى العلاقة القائمة بين المخلوقات المرجانية والطحالب: تنتج طحالب الغذاء للمرجان عبر عملية التركيب الضوئي، وفي المقابل يؤمن المرجان المأوى للطحالب. إلى ذلك، أدرك البشر أهمية التعاون فيما بينهم، فبدأوا بتقسيم الأدوار فيما بينهم وفق الخبرات والقدرات. من هنا، أصبح الفرد قادر على إنتاج ما هو أكثر من حاجاته، فباع الفائض في مقابل الحصول على ما يحتاج.

لقد وجد الباحثون أول مظاهر التحول عن المقايضة بمفهومها البسيط في مدينة أريحا في الضفة الغربية. هناك، وجد علماء الآثار أن السكان في هذا التجمع، قرابة ٩٠٠٠ ما قبل الميلاد، كانوا يتاجرون بالملح لما له من فائدة تتخطى كونها إضافة إلى الطعام. فلقد زاد الطلب على الملح لأنه كان يساعد على الحفاظ على اللحوم لفترة أطول. تكمن أهمية هذا التقليد في تحول الملح من سلعة تستخدم مباشرةً إلى وسيلة لتحقيق هدف غير مباشر. هذا الإجراء هو أول خطوة نحو التجرّد الذي أدى إلى تفشي استخدام العملات النقدية.

كما وبرز أول إستخدام للمعادن والحصى في بلاد مابين النهرين منذ حوالي ٥٠٠٠ سنة، ولكن كان استعمالها يقتصر على توثيق الكميات. فكان يترافق مع كل “شحنة” من المواد حفنة من الحصى الصغيرة تبرز وزن أو عدد المواد الموجودة في الأكياس. لم يبدأ إسناد كما إلى هذه الرموز حتى ٧٠٠ ما قبل الميلاد في الهند والصين ومناطق بحر إيجه.

ظهر أول مظاهر الاستغناء عن المعادن الثمينة و استبدالها بعملات ورقية في القرن السابع عشر في اسكتلندا. فقد أصدر البنك المركزي في اسكتلندا “البنكنوت” وجعل لكل عملة ورقية كمية محددة من الذهب، فيأتي الزبون ويصرف العملات الورقية ويحصل في المقابل على قطع الذهب الثامن. لم يكن الجميع مرحباً بهذه الفكرة، فقد كان الذهب كأداة للتجارة مترسخٌ في عقول البشر. عندها، عمد المعنيون إلى وضع رموز وطنية على العملات الوطنية، وسعوا إلى اتهام كل من يرفض استخدام العمال الورقية بخدمة العدو.

ولكن، مع ازدياد الطلب، لم يكن عملياً بعد الآن أن يكون في البنك ذهباً يعطي قيمة العملات الورقية. لذا، لجأ هؤلاء المعنيون إلى إسناد كما معنوية إلى العمال الورقية ناتج عن عقد اجتماعي عن اتفاق الجميع على قدرة العملة الورقية على مساعدات حاملها بشراء كل ما ينقصه. وفي حالة وجود احتياطات ذهبية في البنك، تكون مؤشراً لطبيعة العرض والطلب ودليلاً على كمية السيولة في السوق ولم يعد لها دور أساسي في الحلقة التجارية.

وفي حين يستمر التطور التكنولوجي يجتاح حياتنا، يبدو أن العالم اليوم يتجه نحو المصارف الرقمية فقد أخذ عدد فروع المصرف بالانخفاض في السنوات الأخيرة معلنةً استسلامها أمام اجتياح المصارف الإلكترونية التي تأخذ من “الغيمة” أو “the cloud” مكاناً لتخزين حسابات الزبائن أينما كانوا حول العالم.

المزيد

قد يهمّك أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق