مساهمين

المعركة الاقتصادية بين دبي والدوحة

من بعيد، لا يسعنا التفريق بين دبي ونظيرتها القطرية الدوحة: ناطحات سحاب، طرق واسعة، متاجر ضخمة، ومشهد الصحراء على أطراف المدينتين. ولكن، عند النظر ملياً، يتراءى لنا مدى اختلاف المشهد على الأرض. فدبي تعجّ بالحياة، والدوحة، في المقابل، مدينة جوفاء لا زالت تصارع لإيجاد هويتها. فما سر هذا التباين بين النسيج المدني في المدينتين، و لماذا ظلت الدوحة متخلفة عن المدينة الإماراتية بالرغم من توافر رؤوس الأموال؟

    إن عامل الوقت طالما  كان إلى جانب دبي. فقد سارعت هذه الإمارة إلى فتح أسواقها على العالم، وسعت للانفتاح الثقافي والحضاري، فيما آثرت الدوحة التمسك بتقاليدها على الصعيدين الحضاري والاقتصادي. لقد بدأت المدينة الإماراتية بتسويق نفسها كمدينة “الأشياء الكبيرة” منذ مطلع القرن، ولا سيما بإعلانها خططاً لبناء أطول فندق في العالم، وأكبر متجر و أكبر ملاهي، فيما كانت الدوحة لا تزال منشغلة بتنفيذ بناً تحتية أساسية لأي مدينة. كل هذا جعل من نهضة قطر العمرانية والاقتصادية، التي أتت فيما بعد ولا زالت مستمرة، تقليداً لمسيرة كانت دبي من السباقين بإطلاقها.

     قد يتساءل المرء عن سبب إقدام دبي على خطوة الانفتاح على العالم، لا سيّما أنها جزءٌ من منطقة هي من أكثر المناطق تمسكاً بالتقاليد وحذراً من أي نوع من الاحتكاك مع العالم الخارجي. ولكن، عند إلقاء نظرة على الحالة الجيوسياسية السائدة في المنطقة منذ أوائل القرن العشرين، يمكننا استخلاص عنصر أساسي كان يصنع الاختلاف بين قطر والإمارات بشكل عام. قبل نشأة الإتحاد، كان هناك تنافس اقتصادي وسياسي بين الإمارات، أي بين كل من دبي وأبوظبي على وجه الخصوص. وسرياً على مقولة “الحاجة أم الإختراع”، تشجعت دبي على خوض غمار العولمة، وهو ما لم يستهوي الإمارات الأخرى حرصاً على التقاليد. أما في قطر، فقد كانت الدوحة، رغم عدم انفتاحها على الأسواق العالمية بعد ذلك، من أكبر المدن في نطاق محيطها القطري المباشر، مما أغناها عن البحث عن استراتيجيات اقتصادية جديدة (وإن لفترة محدودة) كما فعلت دبي. ولاحقاً، عندما استفاق القطري من قيلولته الإقتصادية، كانت دبي قد استقطبت ما استقطبته من شركات متعددة الجنسيات التي لم تعد بحاجة إلى فتح فروع إقليمية أخرى لها في الشرق الأوسط.

   وفي سياق عامل الوقت نفسه، كانت دبي من الأوائل بإطلاق شركة طيران تتّخذ من مطارها مقراً لها، وهي بالطبع شركة “طيران الإمارات” التي أنشئت عام 1985. وكان لهذا أثر كبير على قدرة دبي بإحداث قفزة اقتصادية نوعية. في قطر، وإسوةً بدبي، دشن القطريون “القطرية”، عام 1993، أي بعد ثماني سنوات من تاريخ إنشاء “طيران الإمارات”.

  بالعودة إلى وقتنا هذا، سعت الإمارات إلى تنويع مصادر إراداتها، مدركةً أهمية تحصين للاقتصاد من تقلبات أسعار النفط. فاستثمرت الأموال في مجالات عدّة ولا سيما في الخدمات والصناعة. أما في قطر، فيتخطى اعتماد الاقتصاد على النفط عتبة الـ٧٠٪. إن هذا الواقع أضر وما زال يضر الاقتصاد القطري ولا سيما مع هبوط أسعار النفط.

   لا تبدو الفورة الاقتصادية في دبي أنها آخذةً بالتباطؤ، فالإمارة تستثمر في قطاع يعتبر أحد أهم محركات الاقتصاد العالمي: هو قطاع “الشركات الناشئة” أو  ال-“Startups”، التي توظف الطاقات الشبابية في إطار ديناميكي. فالإمارة تسعى الآن إلى استقدام خبراء من الخارج لإطلاع شبابها وتدريبهم على مفهوم “ريادة الأعمال” أي “entrepreneurship”.

   لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل لطالما سعت بعض الجهات الحكومية وشبه الحكومية في دبي إلى استقطاب شركات ناشئة من الخارج عبر منحها مبالغ مالية تمكنها من تطوير خدماتها وتوسيع نطاق عملها شرط انتقالها للعمل في الإمارة.

  لا شك أن الدوحة تعوّل آمالاً كبيرة على “المونديال” المعزم إطلاقه في قطر عام 2022. ولكن، بالنظر إلى التجربة البرازيلية، نلاحظ أن اقتصاد البرازيل قد نما بنسبة 0.1% فقط عام 2014، وقد غرقت البلاد بالديون التي استلفتها لتطوير بناها التحتية. أما بالنسبة لقطر، قد لا يكون الوضع مأسوياً إلى هذه الدرجة، ولكن تذمر بعض الجهات الدولية إزاء الإستضافة القطرية لا تبشر بالخير، ولا سيما بعد تسجيل انتقادات حول تقنيات التكييف المعزم وضعها وما لها من أثر بيئي كارثي. 

   أخيراً، لا يمكن نكران دور “الذهب الأسود” في الثورة الاقتصادية التي شهدتها كل من دبي والدوحة. ولكن، وفي عالم دائم التغير، لا بد من تنويع مصادر الإيرادات ولا سيما مع تراجع الاحتياطيات العالمية من الموارد الطبيعية ودخول دول جديدة على الخط كلبنان وقبرص، إضافةً إلى تحول الكثير من بلدان العالم المتحضر إلى تقنيات مبتكرة نظيفة عوضاً عن النفط. حتى ذلك الوقت، لا شك أن دبي ستظل في طليعة المدن الشرق أوسطية والعالمية، حائزةً بجدارة على لقب “شنغهاي الشرق”.

المزيد

قد يهمّك أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق