مقالات

سر نجاح البنوك المغربية في افريقيا

الصورة من Shutterstock

.
شهد القطاع البنكي في افريقيا في العشرية الأخيرة ثورة غيرت الصورة التقليدية الباهتة التي كانت تطبعه، لدرجة ان مختلف الدراسات تفيد بان القطاع مرشح مستقبلا لأن يعرف طفرة مضاعفة بحكم التطور الاقتصادي الواعد الذي تشهده مجموعة كبيرة من الأقطار الإفريقية. هذه الدينامية أزاحت فاعليه الكلاسيكيين، مع بروز مجموعات بنكية من صلب القارة سحبت بساط الهيمنة بشكل تدريجي من كبريات المجموعات البنكية الأوربية التي كانت تتحكم فيه وتفرض قواعدها، ولعل نجاح النموذج البنكي المغربي باستثماراته في السوق المصرفية الإفريقية دليل على هذا الواقع الجديد.

نجاح البنوك المغربية تأسس محليا وتوسع قاريا
إن تنوع القطاع البنكي المغربي الذي يمول نحو 90% من حاجيات الاقتصاد القومي مكن من تحسين مستوى الخدمات المصرفية وتعميمها، فخلال العشرية الاخيرة  انتقل عدد البنوك من 16 سنة 2005  إلى نحو عشرين بنكا حاليا تتوزع من حيث رأس المال بين خواص مغاربة واجانب ودولة. مع هيمنة الثلاثي المكون من البنك الشعبي المركزي و”التجاري وفا بنك” والبنك المغربي للتجارة الخارجية، حيث ساهمت مختلف هذه البنوك في دمقرطة الحصول على الخدمات المصرفية بارتفاع كبير في مستوى المصرفة  الذي انتقل من 34% سنة 2005 إلى 64% سنة 2014، الامر الذي ساهم في تقوية العروض والخدمات البنكية الموجهة للمستهلك. أضف الى ذلك الاستثمار الكبير في الموارد البشرية البنكية واستعمال الأنظمة المعلوماتية الحديثة والاحتكام الى احدث المعايير الدولية في المعاملات البنكية خاصة قواعد الاحتراز والتأمين (بال2 وبال3) في منح القروض وتجنب الصدمات المالية الخارجية بإشراف من البنك المركزي . دون إغفال الإطار التشريعي المحفز على الاستثمار البنكي. كل ذلك منح البنوك المغربية خبرة متينة أهلتها لغزو السوق الافرقية.

الديبلماسية الاقتصادية للرباط في خدمة استثمارات البنوك المغربية في القارة السمراء
من العوامل الرئيسية في الحضور الوازن للمصارف المغربية في القارة الإفريقية استراتيجيه الانفتاح التي انتهجتها المملكة تجاه محيطها الإفريقي، انطلاقا من عدة مرتكزات يأتي في طليعتها الاقتصاد، فقد حرص العاهل المغربي الملك محمد السادس خلال جولاته الافريقية المتعددة لعدد من دول افريقيا الغربية في السنوات الأخيرة على اصطحاب وفود اقتصادية يتقدمهم مدراء البنوك بغرض نسج علاقات شراكة وتعاون مع الفاعلين البنكيين المحليين في هذه الدول، وبالتالي فإن الإرادة السياسية للرباط في تعميق حضور المغرب اقتصايا في افريقيا أسهمت وسهلت اندماج الابناك المغربية في السوق المصرفية الافريقية.

السوق الافرقية المصرفية: تنامي الطلب وضعف الخدمات
يراهن المحللون الاقتصاديون على ان القطاع المصرفي سيكون ضمن مصادر النمو الواعدة في افريقيا، بحكم حجم الطلب المتزايد على البنوك وخدماتها تمويلا وادخارا. بلغة الأرقام تصنف القارة اليوم ضمن اقل مناطق العالم إقبالا على الخدمات المصرفية حيث اقل من 20% من السكان لديهم حساب مصرفي في افريقيا جنوب الصحراء باستثناء جنوب افريقي، موازاة مع نسب نمو محترمة تعرفها العديد من اقتصاديات القارة، مع ما يتطلبه ذلك من مواكبة مصرفية تستهدف خاصة الطبقة الوسطى والزبائن الاثرياء والشركات الكبرى، بل حتى الحكومات لمرافقتها في تمويل مشاريعها الانمائية، وسط تقديرات بان يؤدي تزايد الطلب على الخدمات البنكية في القارة الى مضاعفة عائدات القطاع خلال السنوات المقبلة عبر تحصيل إيرادات إضافية، قدرتها دراسة مكتب رولان بيرجيه حول القطاع المصرفي في افريقيا ما بين 15 و20 مليار يورو. كل هذه المؤشرات استبقتها البنوك المغربية لتضع موطأ قدم لها في عدد من الاقطار الاقريقية.

ثمار الغزو البنكي المغربي للسوق الافريقية
امام الفرص الاسثمارية الواعدة التي توفرها السوق المصرفية الافريقية بسبب قلة الفاعلين وضعف الخدمات وتنامي الطلب اختارت البنوك المغربية فتح فروعها في الدول الناطقة بالفرنسية، نظرا لعوامل تاريخية وثقافية وسياسية، بحيث باتت ثلاثة بنوك مغربية هي “التجاري وفا والبنك”، والبنك المغربي للتجارة الخارجية، والبنك الشعبي المركزي تستحوذ على حوالى ثلث الفروع المصرفية في دول غرب افريقيا الناطقة بالفرنسية ونجحت في أقل من 10 سنوات في إزاحة البنوك الفرنسية من ريادة الأسواق المالية بهذه المنطقة.

ان الفضل في هذا الانتشار يرجع في جانب كبير منه الى سياسة البنوك المغربية التوسعية التي تقوم أساسا على عمليات شراء حصص كبيرة في رؤوس اموال بنوك افريقية محلية، وكمثال على ذلك استحوذ “التجاري وفا بنك” على فروع لمصرف “كريدي اغريكول”، وبذلك اصبح هذا البنك المغربي الخاص الأول في افريقيا الفرنسية على صعيد العائدات، حيث بات يجني 25% من عائداته خارج المغرب، ويعتبر الأكثر ديناميكية في المنطقة بامتلاكه نحو 14% من مجموع عدد الوكالات البنكية، كما استحوذ البنك المغربي للتجارة الخارجية على “بنك اوف افريكا” ووضع البنك الشعبي المركزي يده على البنك الأطلسي. هذه الاستراتيجية المبنية على التوسع انطلاقا من البنوك المحلية تمت مرافقتها بنقل الخبرات والكفاءات المغربية في المجال البنكي مع استهداف دقيق  لحاجيات الزبون والمقاولة في كل بلد افريقي على حدىً تماشيا مع القدرة الشرائية والثقافة المحلية السائدة في مجال التعاملات المالية.

تحرير زهير الخطابي

المواضيع
المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق