التضخم: تعريفه وأسبابه وأنواعه وطرق قياسه وآثاره
آخر تحديث: 3 أغسطس 2026
في هذا الدليل ستتعرف على مفهوم التضخم، وأسبابه، وأنواعه ومستوياته، وطرق قياسه، ووسائل الحد منه، وآثاره في الأفراد والشركات والاستثمارات، ولماذا تستهدف بنوك مركزية كبرى معدل تضخم يقارب 2%.
افهم التضخم في 5 دقائق
إذا لم يكن لديك وقت لقراءة المقال بالكامل، فهذا الملخص يكفي لفهم أهم الأفكار.
- المفهوم: التضخم هو الارتفاع المستمر في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات، مما يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية للنقود.
- الأسباب: يحدث عادةً بسبب زيادة الطلب، أو ارتفاع تكاليف الإنتاج، أو نمو عرض النقود، أو ارتفاع أسعار الواردات.
- الأنواع: يتدرج التضخم من التضخم المعتدل إلى المتسارع والجامح والمفرط، وقد يتزامن أحيانًا مع الركود الاقتصادي.
- القياس: يُقاس باستخدام مؤشرات مثل مؤشر أسعار المستهلك، ومؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، والتضخم الأساسي، ومؤشر أسعار المنتجين.
- التأثير: تؤدي معدلات التضخم المرتفعة عادةً إلى رفع أسعار الفائدة، وتؤثر في الأسر والشركات والمدخرات والاستثمارات.
- المواجهة: تستخدم البنوك المركزية والحكومات أسعار الفائدة والسياسة المالية وإجراءات دعم الإنتاج للحد من التضخم.
- الهدف: تستهدف بنوك مركزية كبرى معدل تضخم يقارب 2% لتحقيق التوازن بين استقرار الأسعار ودعم النمو الاقتصادي.
للتفاصيل والأمثلة، تابع قراءة الدليل الكامل أدناه.
محتويات المقال
- تعريف التضخم
- أسباب التضخم
- أنواع التضخم ومستوياته
- أدوات قياس التضخم
- سبل مواجهة التضخم
- تداعيات التضخم
- مزايا التضخم المعتدل
- لماذا تستهدف بنوك مركزية كبرى تضخمًا يقارب 2%؟
- الخلاصة
تعريف التضخم
التضخم (Inflation) هو الارتفاع المستمر في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات خلال فترة زمنية معينة.
ولا يُعد ارتفاع سعر سلعة واحدة تضخمًا بالضرورة، بل يجب أن يشمل الارتفاع مجموعة واسعة من السلع والخدمات داخل الاقتصاد.
ويؤدي التضخم إلى تراجع القوة الشرائية، أي انخفاض كمية السلع والخدمات التي يمكن لوحدة واحدة من النقود شراؤها مقارنةً بفترات سابقة.
وقد يضغط التضخم المرتفع والمستمر على سعر صرف العملة المحلية، خصوصًا إذا تجاوز معدلات التضخم لدى الشركاء التجاريين أو أضعف الثقة بالسياسات الاقتصادية.
لكن تراجع العملة ليس نتيجة تلقائية، إذ يتوقف أيضًا على أسعار الفائدة، وتدفقات رؤوس الأموال، وقوة الاقتصاد، والأوضاع السياسية.
أولًا: أسباب التضخم
ينجم التضخم عن عدة عوامل قد تعمل منفردة أو مجتمعة، وتختلف أهميتها بحسب طبيعة الاقتصاد والظروف السائدة.
1. تضخم دفع التكلفة (Cost-Push Inflation)
ينتج تضخم دفع التكلفة عن ارتفاع تكلفة أحد مكونات الإنتاج، مثل المواد الخام أو الطاقة أو الأجور أو النقل.
وعندما ترتفع هذه التكاليف، قد تمرر الشركات جزءًا من الزيادة إلى المستهلكين من خلال رفع أسعار منتجاتها للمحافظة على هوامش أرباحها.
وإذا دفعت زيادة الأسعار العمال إلى المطالبة برفع أجورهم، ثم رفعت الشركات أسعارها مرة أخرى لتعويض زيادة الأجور، فقد تنشأ دوامة الأجور والأسعار (Wage-Price Spiral).
ومن الأمثلة على ذلك ارتفاع أسعار النفط والغاز بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وما تبعه من زيادة في تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة.
2. تضخم جذب الطلب (Demand-Pull Inflation)
ينشأ تضخم جذب الطلب عندما يرتفع الطلب على السلع والخدمات بوتيرة تفوق قدرة الاقتصاد على زيادة الإنتاج والعرض.
ولا تستطيع الشركات دائمًا زيادة إنتاجها فورًا، لأنها قد تحتاج إلى توظيف عمال جدد، أو شراء معدات، أو توسيع منشآتها، ولذلك قد تستمر الضغوط السعرية فترة طويلة.
ومن أبرز الأمثلة ما حدث عام 2021 بعد جائحة كورونا، حين تزامنت الزيادة القوية في الطلب، المدعومة بالمدخرات والسياسات الاقتصادية التوسعية، مع اضطرابات سلاسل التوريد ونقص العمالة.
3. التضخم المتأصل (Built-in Inflation)
يرتبط التضخم المتأصل بتوقعات الأفراد والشركات بشأن الأسعار في المستقبل.
فعندما يتوقع العمال استمرار ارتفاع الأسعار، يطالبون بزيادة أجورهم. وعندما ترتفع الأجور، تزيد تكاليف الشركات، فترفع أسعارها بدورها.
ويؤدي استمرار هذه التوقعات إلى ترسخ التضخم داخل الاقتصاد حتى بعد زوال السبب الأصلي الذي أدى إلى ارتفاع الأسعار.
ويختلف التضخم المتأصل عن التضخم الهيكلي (Structural Inflation)، الذي ينجم عن اختلالات مزمنة في بنية الاقتصاد، مثل ضعف الإنتاجية، أو محدودية الطاقة الإنتاجية، أو نقص البنية التحتية.
4. التضخم المستورد (Imported Inflation)
يحدث التضخم المستورد عندما يؤدي انخفاض قيمة العملة المحلية إلى ارتفاع تكلفة السلع والخدمات المستوردة.
وقد يحدث أيضًا عندما ترتفع الأسعار العالمية للطاقة أو المواد الغذائية أو المواد الخام، حتى إذا ظل سعر الصرف مستقرًا.
ولا يقتصر الأثر على الأسر، بل يمتد إلى الشركات التي تستخدم مواد أو معدات مستوردة، فتنعكس زيادة التكلفة تدريجيًا على الأسعار المحلية.
5. النظرية النقدية للتضخم (Monetary Theory of Inflation)
وفقًا للنظرية النقدية، قد ينشأ التضخم عندما ينمو المعروض النقدي بوتيرة أسرع من نمو الإنتاج الحقيقي.
وقد يحدث ذلك نتيجة التوسع الكبير في الائتمان المصرفي، أو زيادة الإنفاق الحكومي، أو تمويل البنك المركزي للعجز الحكومي من خلال إصدار النقود.
لكن العلاقة بين نمو المعروض النقدي والتضخم ليست آلية أو فورية، إذ تتأثر أيضًا بسرعة تداول النقود، والطلب عليها، والطاقة الإنتاجية المتاحة، وثقة الأفراد والشركات بالاقتصاد.
ثانيًا: أنواع التضخم ومستوياته
لا يوجد تصنيف دولي موحد يحدد حدودًا رقمية ثابتة لكل مستوى من مستويات التضخم، ومع ذلك يمكن التمييز بين الأنواع الآتية:
1. التضخم الزاحف أو المعتدل (Creeping Inflation)
هو ارتفاع بطيء ومستقر نسبيًا في الأسعار.
وإذا ظل قريبًا من هدف البنك المركزي، فلا يشكل عادةً خطرًا كبيرًا على الاقتصاد، بل قد يترافق مع نمو اقتصادي طبيعي.
2. التضخم المتسارع (Accelerating Inflation)
يحدث عندما ترتفع الأسعار بوتيرة واضحة ومتزايدة بمرور الوقت.
ويبدأ هذا النوع من التضخم في التأثير في قرارات الاستهلاك والادخار وتحديد الأجور والاستثمار.
ويُعد استمراره إشارة تحذيرية تستدعي تدخل السلطات قبل أن تترسخ توقعات التضخم داخل الاقتصاد.
3. التضخم المرتفع أو الجامح (Galloping Inflation)
ترتفع الأسعار في هذه الحالة بمعدلات يصعب على الأجور والمدخرات مواكبتها.
وتتراجع القوة الشرائية بسرعة، وتضطرب العقود طويلة الأجل، ويصبح التخطيط المالي أكثر صعوبة.
وقد يفضل الأفراد في هذه الظروف الاحتفاظ بالعملات الأجنبية، أو الذهب، أو العقارات، أو غيرها من الأصول الحقيقية بدلًا من العملة المحلية.
4. التضخم المفرط (Hyperinflation)
التضخم المفرط حالة استثنائية وحادة تنهار فيها الثقة بالعملة المحلية.
ووفق التعريف الشائع الذي وضعه الاقتصادي فيليب كاغان، تبدأ حالة التضخم المفرط عندما يتجاوز ارتفاع الأسعار 50% خلال شهر واحد.
وفي هذه الحالة، قد تتغير الأسعار يوميًا أو عدة مرات في اليوم، ويلجأ الأفراد والشركات إلى العملات الأجنبية أو الذهب لحماية قيمة أموالهم.
وينشأ التضخم المفرط عادةً عندما تعجز الدولة عن تمويل عجزها الكبير من خلال الضرائب أو الاقتراض، فتلجأ إلى إصدار كميات ضخمة من النقود بالتزامن مع تراجع الإنتاج وانهيار الثقة.
ومن أشهر حالات التضخم المفرط:
- ألمانيا عام 1923: نتيجة التمويل النقدي للعجز وتداعيات الحرب والتعويضات وأزمة احتلال منطقة الرور.
- زيمبابوي عام 2008: نتيجة انهيار الإنتاج وإصدار كميات ضخمة من النقود.
- فنزويلا بعد عام 2016: نتيجة تراجع إنتاج النفط والعجز المالي والتمويل النقدي.
أما لبنان، فقد شهد منذ عام 2020 تضخمًا شديد الارتفاع وانهيارًا نقديًا واسعًا، لكنه لا يُصنف دائمًا حالة تضخم مفرط وفق معيار كاغان.
5. التضخم المصحوب بالركود (Stagflation)
التضخم المصحوب بالركود هو حالة يجتمع فيها ارتفاع التضخم مع ضعف النمو الاقتصادي وارتفاع البطالة.
وتُعد مواجهته صعبة، لأن رفع أسعار الفائدة للحد من التضخم قد يزيد التباطؤ الاقتصادي، بينما قد تؤدي السياسات التحفيزية إلى زيادة الضغوط التضخمية.
ثالثًا: أدوات قياس التضخم
تستخدم البنوك المركزية والسلطات الإحصائية عدة مؤشرات لقياس التضخم.
وقد يختلف المؤشر الرئيسي من دولة إلى أخرى بحسب طبيعة الاقتصاد، وتركيبة الإنفاق، وأهداف السياسة النقدية.
1. مؤشر أسعار المستهلك (Consumer Price Index – CPI)
يقيس مؤشر أسعار المستهلك متوسط التغير في الأسعار التي تدفعها الأسر مقابل سلة تمثل استهلاكها المعتاد.
وتشمل هذه السلة عادةً الغذاء، والسكن، والنقل، والرعاية الصحية، والتعليم، والملابس، وغيرها من السلع والخدمات.
ويُعد مؤشر أسعار المستهلك المقياس الأكثر استخدامًا لقياس التضخم في الحياة اليومية، كما يُستخدم في معظم دول العالم.
2. مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (Personal Consumption Expenditures Price Index – PCE)
يُعد مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي المقياس الرئيسي الذي يعتمد عليه الاحتياطي الفدرالي الأمريكي لتقييم مدى اقتراب التضخم من هدفه الرسمي.
ويتميز هذا المؤشر بتغطية واسعة وبمراعاة تغير أنماط الاستهلاك عندما ترتفع أسعار بعض السلع مقارنةً بغيرها.
ويستخدم الاحتياطي الفدرالي التغير السنوي في PCE الكلي لتقييم هدف التضخم البالغ 2%.
3. التضخم الأساسي (Core Inflation)
يقيس التضخم الأساسي تغير الأسعار بعد استبعاد العناصر شديدة التقلب، وأبرزها الغذاء والطاقة.
ويمكن حساب التضخم الأساسي باستخدام مؤشر أسعار المستهلك أو مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي.
وتراقب البنوك المركزية هذا المؤشر لتقدير الاتجاه الأكثر استدامة للأسعار بعيدًا عن التقلبات المؤقتة.
لكن تعريف التضخم الأساسي قد يختلف من دولة إلى أخرى؛ ففي اليابان مثلًا، يستبعد المؤشر الأساسي الأكثر شيوعًا الأغذية الطازجة، بينما قد تبقى أسعار الطاقة ضمن الحساب.
4. معامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي (GDP Deflator)
يقيس معامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي تغير أسعار جميع السلع والخدمات النهائية المنتجة داخل الاقتصاد.
وهو أشمل من مؤشر أسعار المستهلك، لأنه لا يعتمد على سلة استهلاكية ثابتة، بل يغطي مجمل الإنتاج المحلي.
لكنه لا يشمل السلع والخدمات المستوردة، لأنها لا تدخل ضمن الناتج المحلي الإجمالي.
5. مؤشر أسعار المنتجين (Producer Price Index – PPI)
يقيس مؤشر أسعار المنتجين متوسط التغير في أسعار البيع التي يحصل عليها المنتجون المحليون.
ويُستخدم هذا المؤشر لتقييم الضغوط التضخمية في مراحل الإنتاج قبل انتقالها إلى المستهلك.
وقد يشير ارتفاعه إلى احتمال ارتفاع أسعار المستهلك لاحقًا، لكن انتقال الزيادة ليس تلقائيًا، إذ قد تتحمل الشركات جزءًا من التكلفة من خلال خفض هوامش أرباحها.
6. أكثر مؤشرات التضخم اعتمادًا حسب الدولة أو المنطقة
تستخدم معظم الاقتصادات مؤشر أسعار المستهلك، لكن بعض البنوك المركزية تعتمد مؤشرات أكثر تخصصًا لتحديد أهدافها الرسمية:
- الولايات المتحدة: يعتمد الاحتياطي الفدرالي بصورة رئيسية على PCE، مع متابعة دقيقة لمؤشر CPI.
- منطقة اليورو: يعتمد البنك المركزي الأوروبي على مؤشر أسعار المستهلك المنسق (HICP).
- المملكة المتحدة: يعتمد بنك إنجلترا على CPI لقياس هدف التضخم الرسمي.
- اليابان: يعتمد بنك اليابان بصورة رئيسية على مؤشر أسعار المستهلك الأساسي الوطني (National Core CPI).
- الصين: يُعد CPI المؤشر الرئيسي لقياس تضخم أسعار المستهلكين، إلى جانب متابعة PPI لقياس أسعار المنتجين.
- الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: تعتمد معظم الدول على مؤشر أسعار المستهلك (CPI) باعتباره المقياس الرسمي والأكثر شيوعًا للتضخم.
رابعًا: سبل مواجهة التضخم
تختلف أدوات مواجهة التضخم بحسب أسبابه، وقد تتطلب الجمع بين السياسة النقدية والسياسة المالية والإجراءات التي تهدف إلى زيادة الإنتاج والعرض.
1. السياسة النقدية
تُعد السياسة النقدية الأداة الرئيسية لمواجهة التضخم المرتفع.
ويرفع البنك المركزي أسعار الفائدة لجعل الاقتراض أكثر تكلفة، والادخار أكثر جاذبية، مما يحد من نمو الائتمان والسيولة والطلب داخل الاقتصاد.
وقد يؤدي رفع الفائدة أيضًا إلى دعم سعر صرف العملة المحلية وخفض تكلفة الواردات، لكن هذه النتيجة ليست مضمونة.
ولا يظهر أثر السياسة النقدية فورًا، بل قد يحتاج عدة أشهر أو أكثر.
كما قد يؤدي التشديد المفرط إلى إضعاف النمو الاقتصادي وزيادة البطالة.
2. سياسة تعزيز الإنتاج والعرض
تهدف هذه السياسة إلى زيادة الإنتاجية والمعروض من السلع والخدمات لتلبية الطلب.
وقد تشمل الإجراءات:
- تحسين البنية التحتية.
- تسهيل الاستثمار والإنتاج.
- خفض بعض الضرائب والرسوم على القطاعات الإنتاجية.
- تعزيز المنافسة وإزالة العوائق أمام الاستيراد.
- تطوير التعليم والتدريب المهني.
لكن نتائج هذه الإجراءات تحتاج عادةً إلى وقت طويل، ولذلك لا تعالج التضخم بسرعة.
3. السياسة المالية
يمكن للحكومة الحد من الطلب الكلي عن طريق خفض الإنفاق العام، أو زيادة الضرائب، أو تقليص العجز المالي.
وقد تساعد هذه الإجراءات في تخفيف الضغوط التضخمية، لكنها قد تؤدي أيضًا إلى تباطؤ النمو وزيادة البطالة، خصوصًا إذا كان الاقتصاد ضعيفًا أصلًا.
4. مراقبة الأسعار والأجور
قد تلجأ بعض الحكومات إلى فرض قيود مؤقتة على الأسعار أو الأجور.
وقد توفر هذه الإجراءات تهدئة مؤقتة، لكنها لا تعالج الأسباب الأساسية للتضخم.
وإذا استمرت فترة طويلة، فقد تؤدي إلى نقص السلع، وتراجع الإنتاج، وظهور الأسواق الموازية.
خامسًا: تداعيات التضخم
يؤثر التضخم في الأفراد والشركات والحكومات والأسواق المالية، لكن حجم التأثير يختلف بحسب مستوى التضخم ومدته ومدى توقعه مسبقًا.
1. أسعار الفائدة
يدفع ارتفاع التضخم البنوك المركزية عادةً إلى رفع أسعار الفائدة.
ويؤدي ذلك إلى ارتفاع تكلفة القروض الاستهلاكية والعقارية وقروض الشركات، مما يضعف الاستهلاك والاستثمار والنشاط الاقتصادي.
2. الأفراد
يؤدي التضخم إلى تراجع القوة الشرائية للأسر، فتضطر إلى خفض استهلاكها أو استخدام جزء من مدخراتها.
ويكون الضرر أكبر على أصحاب الدخل الثابت، والمتقاعدين، والعمال الذين لا ترتفع أجورهم بالوتيرة نفسها التي ترتفع بها الأسعار.
3. الشركات
ترتفع تكاليف المواد الخام والطاقة والعمالة والنقل والتمويل خلال فترات التضخم.
وقد تضطر الشركات إلى رفع أسعار منتجاتها، أو تتحمل تراجع هوامش أرباحها، أو تؤجل خطط التوسع والاستثمار.
ومع ذلك، قد تستفيد بعض الشركات مؤقتًا إذا ارتفعت أسعار بيعها بوتيرة أسرع من تكاليفها، أو إذا سارع المستهلكون إلى الشراء قبل توقع زيادات جديدة في الأسعار.
4. التجارة الخارجية
قد تضعف تنافسية صادرات الدولة إذا ارتفعت أسعارها المحلية بوتيرة أسرع من أسعار شركائها التجاريين.
وقد يؤدي ذلك إلى تراجع الصادرات وزيادة الواردات وتدهور الميزان التجاري.
لكن انخفاض سعر صرف العملة قد يعوض جزءًا من هذا الأثر من خلال جعل الصادرات أرخص نسبيًا في الأسواق الخارجية.
5. الحكومات
يؤدي تشديد السياسة النقدية إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي الجديد وإعادة تمويل الديون المستحقة.
ولا ترتفع تكلفة الديون القديمة ذات الفائدة الثابتة فورًا، لكن خدمة الدين تزداد تدريجيًا عندما تستبدل الحكومة هذه الديون بإصدارات جديدة ذات فائدة أعلى.
6. المدخرات والاستثمارات
يتضرر المدخرون عندما يتجاوز معدل التضخم العائد الذي يحصلون عليه على مدخراتهم.
ويُقاس العائد الحقيقي تقريبًا بطرح معدل التضخم من العائد الاسمي.
فعلى سبيل المثال، إذا بلغ العائد الاسمي 3% وبلغ التضخم 5%، يكون العائد الحقيقي سالبًا بنحو 2%.
وتتعرض السندات ذات الفائدة الثابتة لضغطين رئيسيين:
- تراجع القوة الشرائية الحقيقية للفوائد وللقيمة الاسمية عند الاستحقاق.
- احتمال انخفاض القيمة السوقية للسند إذا ارتفعت أسعار الفائدة السائدة.
ولا تنخفض القيمة الاسمية التي يسددها المُصدر عند الاستحقاق، لكن قيمتها الحقيقية تتراجع بفعل التضخم.
7. المقرضون
يتضرر المقرضون بصورة خاصة من التضخم غير المتوقع، لأن الأموال التي يستردونها تكون أقل قوة شرائية من الأموال التي أقرضوها.
لكن الضرر يكون أقل إذا كانت الفائدة متغيرة، أو كان القرض مرتبطًا بمؤشر التضخم، أو كانت توقعات التضخم مدرجة مسبقًا في سعر الفائدة.
سادسًا: مزايا التضخم المعتدل
رغم الأضرار التي يسببها التضخم المرتفع، قد تكون للتضخم المنخفض والمستقر بعض الآثار الإيجابية على الاقتصاد.
1. تخفيف العبء الحقيقي للديون
يستفيد المقترضون، سواء كانوا أفرادًا أو شركات أو حكومات، لأن القيمة الحقيقية للديون القديمة ذات القيمة الاسمية الثابتة تنخفض بمرور الوقت.
ولا ينطبق ذلك بالدرجة نفسها على الديون ذات الفائدة المتغيرة أو المرتبطة بالتضخم.
2. تراجع عبء الأقساط بالنسبة إلى الدخل
إذا ارتفعت الأجور والدخول بمرور الوقت، بينما ظلت الأقساط ثابتة، تتراجع قيمة الأقساط نسبةً إلى دخل المقترض.
لكن هذه الفائدة تتحقق فقط إذا واكبت زيادة الأجور ارتفاع الأسعار.
أما إذا لم ترتفع الأجور بالقدر نفسه، فقد تتدهور القدرة على السداد بدلًا من أن تتحسن.
3. دعم الإيرادات العامة
قد يؤدي ارتفاع الأسعار إلى زيادة حصيلة ضريبة القيمة المضافة.
كما قد يؤدي ارتفاع الأجور الاسمية إلى زيادة ضرائب الدخل ومساهمات الضمان الاجتماعي.
ويرفع التضخم أيضًا الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، مما قد يؤدي إلى انخفاض نسبة الدين العام إلى الناتج.
لكن هذا الأثر ليس تلقائيًا، إذ يعتمد على النمو الحقيقي، والعجز المالي، وأسعار الفائدة، وهيكل الدين، ومدى ارتباط النفقات الحكومية بالتضخم.
سابعًا: لماذا تستهدف بنوك مركزية كبرى تضخمًا يقارب 2%؟
تتبنى بنوك مركزية كبرى، مثل الاحتياطي الفدرالي والبنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا وبنك اليابان، هدفًا للتضخم يبلغ نحو 2% على المدى المتوسط.
ولا يمثل هذا المعدل قانونًا اقتصاديًا ثابتًا، لكنه منخفض بما يكفي للمحافظة على استقرار الأسعار، وإيجابي بما يكفي لتوفير هامش أمان في مواجهة الانكماش.
1. تجنب الانكماش (Deflation)
الانكماش هو انخفاض مستمر في المستوى العام للأسعار.
وقد يدفع المستهلكين إلى تأجيل مشترياتهم انتظارًا لانخفاض الأسعار أكثر، مما يضعف الطلب والإنتاج والاستثمار.
كما يزيد الانكماش العبء الحقيقي للديون، لأن قيمة الأموال التي يجب سدادها ترتفع من حيث القوة الشرائية.
ويوفر هدف تضخم يبلغ 2% هامش أمان يقلل خطر انزلاق الاقتصاد إلى الانكماش.
2. منح السياسة النقدية مساحة للتحرك
عندما يكون التضخم قريبًا من 2%، تكون أسعار الفائدة الاسمية عادةً أعلى مما ستكون عليه عند تضخم صفري.
ويمنح ذلك البنك المركزي مساحة أكبر لخفض أسعار الفائدة خلال الأزمات الاقتصادية قبل أن تصل إلى الصفر أو إلى مستويات شديدة الانخفاض.
3. تسهيل تعديل الأجور الحقيقية
يصعب على الشركات عادةً خفض الأجور الاسمية للموظفين.
لكن وجود تضخم معتدل يسمح بانخفاض الأجور الحقيقية أو تعديلها دون الحاجة إلى خفض الراتب الاسمي مباشرةً.
4. مراعاة احتمالات الخطأ في القياس
قد تبالغ بعض مؤشرات الأسعار قليلًا في تقدير التضخم بسبب صعوبة قياس تحسن جودة المنتجات أو ظهور منتجات وخدمات جديدة.
ويوفر هدف إيجابي للتضخم هامشًا يقلل احتمال تحول معدل قريب من الصفر إلى انكماش فعلي.
5. تثبيت توقعات التضخم
يساعد الهدف الواضح على توجيه توقعات الأسر والشركات والمستثمرين.
وعندما تكون توقعات التضخم مستقرة، تصبح قرارات الأجور والأسعار والادخار والاستثمار أكثر قابلية للتخطيط.
كما يقل خطر نشوء دوامة تضخمية ذاتية الاستمرار.
الخلاصة
لا يمثل التضخم مجرد ارتفاع عارض في سعر سلعة واحدة، بل زيادة مستمرة وواسعة في المستوى العام للأسعار تؤدي إلى تراجع القوة الشرائية للنقود.
وقد ينشأ التضخم عن ارتفاع تكاليف الإنتاج، أو زيادة الطلب، أو نمو المعروض النقدي، أو ارتفاع تكلفة الواردات، أو ترسخ توقعات ارتفاع الأسعار.
الهدف ليس القضاء على التضخم، بل إبقاؤه عند مستوى منخفض ومستقر يمكن التنبؤ به.
فالتضخم المرتفع يضر بالدخول والمدخرات والاستثمارات، بينما يهدد الانكماش النمو الاقتصادي ويزيد العبء الحقيقي للديون.
ولهذا السبب تستهدف بنوك مركزية كبرى معدل تضخم يقارب 2% باعتباره توازنًا عمليًا بين استقرار الأسعار ودعم النمو الاقتصادي على المدى الطويل.
